عاد الوعي كخيط رفيع، ينسج خلال ضباب من المسكنات والارتباك. أول ما لاحظته لم يكن الألم، بل امتلاء غريب، إحساس بثقل وكثافة في جسدك كان غريبًا بعمق. الضوء الأبيض القاسي من سقف المستشفى غزا جفنيك المغمضتين. ضجيج رتيب وإيقاعي — جهاز مراقبة القلب — كان يحدد الوقت في الهدوء المحيط. الرائحة الغالبة كانت للمطهرات والكحول والنظافة الحمضية، ولكن تحتها، شيء أكثر… عضويًا، معدنيًا. رائحة دمك الداخلي وأشياء مكشوفة. حواسك، بطريقة ما، بدت أكثر حدة. أكثر يقظة. حركة على يسارك. الصوت الناعم للقماش وطرق خفيف لصينية. — آه، لقد استيقظت. — كان الصوت مهنيًا، هادئًا. ممرضة في منتصف العمر، بعيون متعبة ولكن لطيفة، ظهرت في مجال رؤيتك. — لا تحاولي التحرك كثيرًا. لقد خضعت لعملية جراحية واسعة جدًا. معجزة حقيقية، كما يقول الأطباء. عدلت المحقنة في ذراعك. لمسها، رغم كونها مهنية، جعلت بشرتك تتوخز بطريقة غريبة، وكأنها مفرطة الحساسية. حاولت البلع، ولكن حلقك كان جافًا كالورق. — لنبدأ بشيء خفيف — أعلنت، وهي تلتقط وعاءً بلاستيكيًا صغيرًا يحتوي على مادة هلامية شاحبة. — قليل من الجيلاتين. لتعويد المعدة عليه. قرّبت ملعقة من شفتك. الرائحة وصلتك أولاً. قبل ذلك، كانت رائحة جيلاتين المستشفى كلا شيء، كسكر اصطناعي. الآن… الآن كانت نتنة. رائحة حلوة، متعفنة، ملونة اصطناعيًا جعلت جانبي لسانك ينقبضان اشمئزازًا. لكن الجوع كان حضورًا حيًا، هادرًا في مركزك، ألم حاد وفارغ بدا وكأنه ينبع من صدرك، وليس معدتك. فتحت فمك، متقبلًا المحتوى البارد. كان الأمر كوضع رماد رطب وعفن على لسانك. القوام كان مقززًا، لزجًا بطريقة خاطئة. الطعم الحلو كان اعتداءً على حواسك، سمًا ملونًا. تفاعل جسدك قبل أن يتمكن عقلك من المعالجة؛ ارتجاف عنيف جرى عبر جذعك، انقبضت عضلات بطنك في موجة من الغثيان الساحق. بصقت الجيلاتين، القطعة الشاحبة تلطخ الملاءة البيضاء، وخرج من حلقك صوت غليظ من الاشمئزاز والجوع غير المشبع. — واه، هونًا، هونًا! — قالت الممرضة، تتراجع مندهشة. — التخدير قد لا يزال يؤثر عليك. المعدة حساسة. لنجرب الماء فقط. كان الماء أسوأ. كان كشرب سائل من بركة راكدة، بطعم معدني مقزز. تمكنت من بلع رشفة، ولكنها كانت جهدًا جبارًا. الجوع، بدلاً من أن يهدأ، زأر بقوة، حرقة باردة وملحة. امتلت عيناك بدموع لا إرادية من الإحباط واليأس. انفتح باب الغرفة ودخل رجل يرتدي معطفًا أبيض، يتبعه شخصية مألوفة جعلت قلبك (قلبًا ينبض بإيقاع غريب قوي وبطيء) يخفق بسرعة. هايزي. شعرها البني كان أشعث قليلاً، عيناها الخضراوان واسعتان، محاطتان بهالات سوداء عميقة. كانت تحمل حقيبة صغيرة من الوجبات الخفيفة. — أنت أكثر يقظة! — صاح الطبيب، رجل بشعر رمادي ونظارات. صوته كان جافًا، إعلاميًا. — أخبار سارة. لقد نجوت مما كان، بحق، يجب أن يكون مميتًا. ثقب بطني حاد، فقدان هائل للأنسجة. كان أحجية حقيقية لفريق الجراحة. اقترب، يفحص شاشة المراقب. — المتبرع… شابة توفيت في الحادث نفسه. أعضاء متوافقة بشكل لا يصدق، تقريبًا ظاهرة. كبد، جزء من الأمعاء، بعض الأوعية الدموية الرئيسية… وأنسجة عضلية قلبية متخصصة سمحت بإصلاح استثنائي. — تحدث كما لو كان يصف إصلاح آلة معقدة. — الجسد يقبل أحيانًا غير المتوقع. ستشعر باختلافات، بالطبع. إيقاعات جديدة، حساسيات جديدة. هذا طبيعي. وقفت هايزي عند نهاية السرير، عيناها الخضراوان تمسحانك بشدة تتجاوز القلق. رأت الضمادات، نعم، ولكن أيضًا شكل وجهك تحت نحافة التعافي، القوام المختلف لبشرتك، الطريقة التي ينتشر بها شعرك، الأطول والأكثر حريرية، على الوسادة. كانت رائحتها… تعب، شامبو تفاح أخضر، وشيء أكثر. شيء عميق، دافئ، حيوي. عطر جعل جوعك الجديد يلتوي داخلك، ليس باشمئزاز، ولكن برغبة حادة ومرعبة. كانت هذه ألذ رائحة شعرت بها على الإطلاق، والرغبة في الاقتراب، في… أبعدت نظرك، خجلاً ومرعوبًا. — أحضرت بعض الأشياء — قالت هايزي، صوتها مرتجف قليلاً. أخرجت من الحقيبة ساندويتش ملفوفًا بورق. — المفضل لديك، من المقهى قرب الكلية. لحم وخبز بالجبن. ظننت… ربما يفرحك. فكت غلاف الساندويتش جزئيًا. رائحة الخبز المحمص، اللحم المدخن، والجبن الذائب غزت الغرفة. بالنسبة لك، كان الأمر كما لو أن شخصًا فتح كيس قمامة في يوم صيف حار. الرائحة الدهنية، الحيوانية، المعالجة… كانت مقززة. نتنة لحم ميت ولبن متخمر. تمردت معدتك (أو أي شيء كان موجودًا الآن داخلك). ضغطت رأسك على الوسادة، تحاول درء الرائحة، وخرج من شفتيك أنين منخفض. تجمدت هايزي. ضاقت عيناها الخضراوان، ليس بغضب، ولكن بتحليل مفاجئ وعميق. لم تقل "ماذا حدث؟" أو "أليس جيدًا؟". نظرت فقط، أولاً إلى الساندويتش، ثم إلى وجهك الشاحب المتعرق من الاشمئزاز، ثم إلى رقعة العين الطبية التي تغطي عينك اليسرى — تفصيل ذكره الأطباء كـ "إصابة عصبية صغيرة، مؤقتة، رقعة العين حكيمة". شكوكها، تلك التي جمعتها من أساطير حضرية وهمسات على الشبكة المظلمة عن مخلوقات تتغذى على البشر، تصلبت في نظرتها. لكن الخوف لم يأت. جاءت إرادة شرسة وحامية. لفّت الساندويتش مرة أخرى، بسرعة، وأعادته إلى الحقيبة. — ربما لاحقًا — همست، صوتها مسيطر بشكل غير معتاد. — عندما تتحسن. تبادلت الممرضة والطبيب نظرة. — من الشائع فقدان الشهية وتغيرات في التذوق بعد الصدمات الواسعة والأدوية القوية — أعلن الطبيب، وهو يدون شيئًا في الملف. — سنبقيك على التغذية الوريدية لبضعة أيام أخرى. الجسد يحتاج للتكيف. للتكيف. صدى الكلمات فارغًا. هذا لم يكن تكيفًا. كان استبدالًا. فسادًا. لاحقًا، عندما كنت وحدك، جاء معالج فيزيائي ليساعدك على الوقوف لأول مرة. بينما جلست على حافة السرير، كان إحساس الثقل ساحقًا. كتفاك بدتا أضيق، عظام الورك ارتطمت بشكل مختلف بالمرتبة. عندما ساعدتك على الوقوف، ضربتك موجة دوار، ليس فقط من الضعف، ولكن من توزيع الوزن غير المعتاد. وركاك بدا وكأنه يميل للخلف، حاملاً حجمًا جديدًا وثقيلاً. صدراك، اللذان كانا سابقًا مجرد امتلاء غريب تحت ضمادات الجذع، تمايلا بثقل، مؤلمي الحساسية، وبللت قميص قطني رقيق للمستشفى في بقعتين صغيرتين متواضعتين على القماش. دفء رطب ومحرج. المعالج الفيزيائي، بلا تعبير مهنيًا، قادك إلى الحمام المجاور. — خطوة صغيرة في كل مرة. اتكأت على الحوض، تلهث. الضوء الفلوري كان لا يرحم. ثم رأيت نفسك. أو رأيت بداية ما أصبحت عليه. الوجه في المرآة كان وجهك… ولكن ليس كذلك. بنية العظام كانت ألطف، الحواف مستديرة، أصبحت خنثوية بطريقة جميلة مربكة. شفتاك كانتا أكثر امتلاءً، ورديتين حتى في الشحوب. شعرك، تدفق أطول وأكثر حريرية مما كان لديك من قبل. وعيناك… العين اليمنى، عينك، كانت مليئة بالرعب والارتباك. اليسرى، مغطاة برقعة العين البيضاء. ولكن بعد ذلك، طعنة من ذلك الجوع الشره، البارد، قطعتك، تذكير برائحة هايزي الحيوية الممزوجة بيأس خالص. تحت حافة رقعة العين، تسرب ضوء وردي خافت ونابض. وفي انعكاس المرآة الأسود اللامع، للحظة عابرة، رأيت ليس عينًا بشرية، بل بياضًا أسود كالأبنوس، يحيط بقزحية تتوهج بلون نيون مريض. تراجعت عن الحوض، جسدك المتحول حديثًا يرتجف، ليس فقط من الضعف، ولكن من رعب يتجاوز بكثير الألم الجسدي. العالم لم يعد كما كان. وأنت، حتى أقل.